في خضمّ التحولات الدولية العاصفة، وحين تتجاوز الأزمات حدود الدول لتغدو قدراً مشتركاً بين الأمم، لا يعود من الإنصاف اختزال التحديات في إرادة نظامٍ أو سياسات حكومة. فالأزمة الراهنة، المرتبطة بالحرب المستعرة في الشرق الأوسط، ليست حدثاً معزولاً يمكن التحكم في مآلاته محلياً، بل هي زلزال اقتصادي عالمي ألقت ارتداداته الثقيلة على أسعار الطاقة، من المحروقات إلى الغاز المنزلي، فكانت الزيادات الأخيرة انعكاساً مباشراً لهذا الواقع المضطرب، لا خياراً سيادياً مجرداً.
وفي مثل هذه السياقات الاستثنائية، يُنتظر من النخب—وخاصة الإعلامية منها—أن ترتقي إلى مستوى الظرف، وأن تستحضر مسؤولية الكلمة في زمن الأزمات، لا أن تنجرف مع موجة التوظيف السياسي الضيق. غير أن ما يُثير الاستغراب حقاً، هو أن بعض الأصوات والمؤسسات التي كانت بالأمس القريب من المستفيدين من دعم الدولة ومنحها، اختارت اليوم أن تتصدر مشهد التشكيك، وأن تركب موجة ظرف طارئ لا يد للنظام في نشأته، وكأنها وجدت في الأزمة فرصة لإعادة التموضع لا لحماية الاستقرار.
إن استهداف الوزير الأول تارة، والحكومة مجتمعة تارة أخرى، من قبل نفس الدوائر، وبمساندة بعض النشطاء الذين أُتيحت لهم فضاءات العمل السياسي في إطار ترسيخ التعددية والديمقراطية، يطرح أكثر من علامة استفهام حول صدقية الخطاب وحدود المسؤولية الوطنية. فالدولة التي فتحت الأبواب أمام المشاركة ومنحت الفرص لتعزيز الروح الوطنية، لا تستحق أن تُقابل مبادراتها بمحاولات التشويه في لحظة تتطلب التماسك لا التنازع.
ولو أن هذه الأطراف تحلّت بقدرٍ من الإنصاف، لكان الأولى بها الإقرار بما اتخذته السلطات من إجراءات استثنائية للتخفيف من وطأة أزمة عالمية أثقلت كاهل الاقتصادات، بدل الانخراط في خطاب يغلب عليه التهويل، ويخدم—عن قصد أو غير قصد—أجندات التلميع الشخصي واستدرار المكاسب.
إن الأزمات الحقيقية لا تُدار بالصخب، بل بوعي جماعي يُدرك أن حماية الجبهة الداخلية مسؤولية مشتركة، وأن مواجهة التحديات الخارجية تبدأ من تماسك الداخل، لا من تصدّعه.
وفي مثل هذه اللحظات الفارقة، يُقاس معدن النخب: إما أن تكون سنداً للدولة في مواجهة العواصف، أو عبئاً يضاعف من حدّتها.
الفتاش الإخباري










