لم تعد قضية إغلاق المدارس الريفية أو تجميدها في ولاية آدرار مجرد مسألة إدارية تتعلق بتوزيع المدرسين أو ترشيد الموارد التربوية، بل تحولت إلى قضية اجتماعية وتنموية تمس حق الأطفال في التعليم، واستقرار الأسر في قراها، ومستقبل المجتمعات المرتبطة بواحات النخيل والحقول الزراعية التي تشكل مصدر رزقها وركيزة وجودها الاقتصادي والاجتماعي.
وتأتي هذه القضية في وقت تستعد فيه بعثة حكومية برئاسة وزيرة التجارة والسياحة، زينب بنت أحمدناه، لدراسة المرحلة الثانية من الخطة الاستعجالية لتعميم النفاذ إلى الخدمات الأساسية بولاية آدرار، وهي مرحلة يفترض أن تتجاوز مجرد تشخيص النواقص وتحديد المشاريع، إلى بناء تصور تنموي متكامل يستجيب للاحتياجات الفعلية للسكان، ويعالج الاختلالات التي راكمتها سنوات من تشتت الخدمات وضعف التخطيط العمراني والاجتماعي.
ومن هذا المنطلق، فإن ملف المدارس الريفية ينبغي أن يكون في صدارة القضايا المطروحة أمام البعثة الحكومية، لا باعتباره مطلبًا قطاعيًا يخص وزارة التربية وحدها، وإنما بوصفه جزءًا من معادلة أوسع تتداخل فيها اعتبارات التعليم والاستقرار السكاني والتنمية الزراعية والعدالة في توزيع الخدمات العمومية.
التعليم في القرى: حق لا ينبغي أن يكون ثمنًا للاستقرار
إن مطالبة سكان الأرياف ببقاء مدارسهم لا يمكن اختزالها في موقف عاطفي أو رفض غير مبرر للإصلاح التربوي؛ فهؤلاء السكان اختاروا، أو اضطروا بحكم ظروفهم الاقتصادية والاجتماعية، البقاء في قراهم القريبة من واحات النخيل ومزارعهم وحقولهم، التي تمثل بالنسبة إليهم مصدر الدخل والاستقرار والارتباط بالمجال الجغرافي والاجتماعي.
ومن غير المنطقي أن يوضع هؤلاء أمام معادلة صعبة مفادها, إما مغادرة قراهم والتخلي عن مصادر عيشهم، وإما قبول حرمان أبنائهم من التعليم القريب والآمن.
فالتعليم حق أساسي، ولا ينبغي أن يتحول ضعف الكثافة السكانية في القرى إلى سبب تلقائي لإقصاء أطفالها من هذا الحق، كما لا يجوز أن يكون الحفاظ على المدرسة مبررًا لتجاهل جودة التعليم وضرورة توفير الظروف التربوية المناسبة.
والحل المطلوب هو البحث عن صيغة متوازنة تضمن استمرار التعليم، وتحافظ في الوقت نفسه على استقرار السكان وارتباطهم بمصادر عيشهم.
بين جدوى التجميع ومخاطر الإغلاق
لا يمكن إنكار أن واقع بعض المدارس الريفية في آدرار يطرح تحديات حقيقية أمام المنظومة التربوية، خصوصًا في ظل التراجع المستمر لأعداد التلاميذ نتيجة الهجرة من القرى نحو عواصم المقاطعات والمراكز الحضرية.
فقد أصبحت بعض المدارس تضم أعدادًا محدودة من التلاميذ، موزعين على مستويات دراسية متعددة، وهو ما يفرض أحيانًا جمع مستويات متباعدة داخل الفصل الواحد، ويزيد من صعوبة توفير تعليم نوعي يستجيب للمعايير التربوية المطلوبة.
وللتوضيح، فإن وجود عشر مدارس ريفية لا يتجاوز مجموع تلاميذها 70 تلميذًا، مع الحاجة إلى نحو 20 مدرسًا لتغطية مختلف المستويات، يطرح سؤالًا مشروعًا حول كفاءة توزيع الموارد البشرية وإمكانية ضمان جودة التعليم في ظل هذا التشتت.
لكن الاعتراف بهذه الإشكالات لا يعني التسليم بأن الإغلاق هو الحل الوحيد، أو أن نقل التلاميذ إلى تجمعات أخرى يمكن أن يتم دون دراسة انعكاساته الاجتماعية والاقتصادية والأمنية.
فالتجميع قد يكون خيارًا تربويًا مقبولًا عندما تتوفر شروطه، من مدارس مجهزة، وطاقم تدريس متكامل، ووسائل نقل آمنة، ومسافات معقولة، وظروف إقامة أو متابعة مناسبة عند الضرورة.
أما نقل الأطفال لمسافات طويلة، عبر طرق وعرة أو غير آمنة، دون توفير ضمانات حقيقية لوصولهم المنتظم إلى المؤسسات التعليمية، فإنه قد يحول قرار الإصلاح إلى سبب إضافي للتسرب المدرسي والحرمان من التعليم.
وتزداد خطورة الأمر عندما يتعلق الأمر بالأطفال في المراحل الأولى من التعليم، الذين لا يمكن التعامل مع تنقلهم كما لو كانوا تلاميذ في مراحل عمرية متقدمة.
خصوصية آدرار تفرض معايير مختلفة
إن طبيعة ولاية آدرار الجغرافية والاجتماعية والاقتصادية تفرض اعتماد مقاربة خاصة في التعامل مع المدارس الريفية.
فالقرية في هذه الولاية ليست مجرد تجمع سكني محدود العدد يمكن قياس أهميته بعدد المنازل أو التلاميذ، بل قد تكون مرتبطة بواحة نخيل أو مجال زراعي يشكل موردًا اقتصاديًا لعشرات الأسر، ويمثل أساس استمرارها في المنطقة.
ولهذا ينبغي ألا تعتمد قرارات تجميد المدارس أو تجميعها على معيار عدد التلاميذ وحده، بل يجب أن تستند إلى مجموعة من المعايير المتكاملة، من بينها:
- عدد السكان والأسر المستقرة: مع احتساب السكان المقيمين بصورة دائمة، وليس الاكتفاء بعدد التلاميذ المسجلين في سنة دراسية واحدة.
- الارتباط بمصادر العيش: مراعاة وجود واحات النخيل والمزارع والحقول، ومدى ارتباط استقرار السكان بها، وصعوبة انتقالهم الجماعي إلى مناطق أخرى.
- المسافة الجغرافية: تحديد المسافة الفعلية بين القرية والمدرسة البديلة، وطبيعة الطريق، والمدة الزمنية التي يحتاجها الأطفال للوصول إليها.
- سلامة التلاميذ: عدم اعتماد أي عملية تجميع دون ضمان وسائل نقل آمنة ومنتظمة، تراعي أعمار الأطفال والظروف المناخية والجغرافية للمنطقة.
- الخصوصية الاجتماعية: مراعاة أوضاع الأسر، خصوصًا في القرى التي يصعب فيها على الأطفال الصغار التنقل بمفردهم، أو التي لا تتوفر فيها وسائل نقل منتظمة.
- الجدوى التربوية: تقييم مستوى التحصيل الدراسي، ومدى قدرة المدرسة القائمة على توفير التعليم في ظروف مناسبة، قبل اتخاذ قرار الإغلاق أو الدمج.
- التوقعات السكانية المستقبلية: دراسة إمكانية عودة النشاط الزراعي أو استقرار أسر جديدة، بدل اتخاذ قرارات نهائية بناءً على معطيات ظرفية.
- البدائل الممكنة: دراسة خيارات المدارس المشتركة، والأقسام متعددة المستويات وفق ضوابط تربوية، والمدارس القريبة التي يمكن تطويرها لاستيعاب تلاميذ القرى المجاورة.
إن اعتماد هذه المعايير من شأنه أن ينقل النقاش من منطق الإغلاق أو الرفض المطلق إلى منطق التخطيط العقلاني الذي يوازن بين الكلفة الاقتصادية والحق الاجتماعي والجودة التربوية.
البعثة الحكومية أمام مسؤولية تاريخية
إن زيارة البعثة الحكومية إلى ولاية آدرار برئاسة وزيرة التجارة والسياحة زينب بنت أحمدناه، في إطار التحضير للمرحلة الثانية من الخطة الاستعجالية، تمثل فرصة مهمة لإعادة النظر في الطريقة التي تُشخّص بها الاحتياجات التنموية وتُرتب بها الأولويات.
فالخطة، وفق المنهجية التشاركية التي أعلنت عنها الوزارة الأولى، يفترض أن تقوم على مقترحات الإدارة الإقليمية والمحلية، بمشاركة الوالي ورئيس الجهة والحكام ورؤساء المراكز الإدارية والعمد، إلى جانب المنتخبين والساسة والوجهاء والأطر والمثقفين وممثلي المجتمع المدني والأحزاب السياسية.
وهذا التوجه لا ينبغي أن يبقى مجرد إجراء شكلي لاستكمال المشاورات، بل يجب أن يتحول إلى آلية حقيقية لإشراك مختلف الفاعلين في تحديد الأولويات وصياغة الحلول وتحمل مسؤولية نتائجها.
فالمطلوب من والي آدرار والإدارة الإقليمية أن يقدموا تشخيصًا دقيقًا للاحتياجات، ومن رئيس الجهة أن يعرض رؤية تنموية تأخذ في الاعتبار التوازن بين البلديات والتجمعات السكانية، ومن الحكام ورؤساء المراكز الإدارية والعمد أن ينقلوا حقيقة أوضاع السكان والقرى التابعة لهم.
كما تقع على المنتخبين والسياسيين والوجهاء والأطر والمثقفين وممثلي الأحزاب والمجتمع المدني مسؤولية الخروج من دائرة المطالب الموسمية والمواقف المرتبطة بالحسابات الانتخابية، والمساهمة في بناء رؤية واقعية لمستقبل الأرياف.
فليس من المقبول أن يطالب بعض الفاعلين ببقاء جميع المدارس دون تقديم حلول عملية لمشكلة نقص التلاميذ والمدرسين، كما لا يصح أن تتحول مبررات ترشيد الموارد إلى غطاء لحرمان قرى بأكملها من الخدمات الأساسية.
إن المسؤولية مشتركة، والإصلاح الحقيقي يتطلب شجاعة في تشخيص المشكلات، ووضوحًا في عرض الخيارات، واستعدادًا لتحمل نتائج القرارات.
من حماية المدرسة إلى بناء تجمعات سكانية متكاملة
إن الإشكال المطروح لا يتعلق بالمدرسة وحدها، بل يعكس مشكلة أعمق مرتبطة بنمط التوسع السكاني وتشتت الخدمات العمومية في الأرياف.
فالهجرة المتواصلة نحو عواصم المقاطعات، وضعف توفر المياه والصحة والتعليم والخدمات الأساسية في بعض القرى، ساهمت في إضعاف الاستقرار السكاني، وأدت إلى تقلص أعداد التلاميذ في عدد من المؤسسات التعليمية.
ومن هنا، فإن المرحلة الثانية من الخطة الاستعجالية ينبغي أن تتعامل مع هذه القضية من زاوية تنموية شاملة، من خلال دراسة إمكانية إنشاء أو تطوير تجمعات سكانية منظمة، تتوفر فيها المدارس والإعداديات والنقاط الصحية والمياه الصالحة للشرب والكهرباء والطرق والخدمات الضرورية.
لكن هذا التوجه يجب ألا يعني إجبار السكان على مغادرة قراهم أو التخلي عن واحات النخيل ومزارعهم، بل ينبغي أن يقوم على التشاور والاختيار الطوعي، مع توفير حوافز وخدمات تجعل التجمعات الجديدة خيارًا عمليًا وجاذبًا للأسر.
كما ينبغي التفكير في حلول وسط، مثل إنشاء مدارس قروية مشتركة في مواقع جغرافية مدروسة، وتوفير نقل مدرسي مجاني وآمن، وتطوير المؤسسات الموجودة في القرى ذات الكثافة السكانية المتقاربة، بما يسمح بتحسين جودة التعليم دون قطع الصلة بين السكان وأرضهم.
مقترحات عملية أمام المرحلة الثانية
حتى لا تبقى النقاشات مجرد تشخيص للمشكلة، يمكن للبعثة الحكومية اعتماد جملة من الإجراءات العملية:
- إعداد خريطة شاملة للمدارس الريفية في ولاية آدرار، تتضمن أعداد التلاميذ والمدرسين، والمسافات بين القرى، والظروف الجغرافية والاجتماعية لكل منطقة.
- تعليق القرارات النهائية المتعلقة بتجميد المدارس أو تجميعها إلى حين استكمال دراسة ميدانية تشاركية لكل حالة على حدة.
- وضع معايير وطنية واضحة لتجميع المدارس الريفية، مع مراعاة الخصوصية الجغرافية والاجتماعية لولاية آدرار.
- توفير النقل المدرسي المجاني والآمن قبل أي عملية نقل للتلاميذ، وعدم الاكتفاء بوعود غير مضمونة.
- اعتماد حلول تربوية مرنة للمدارس ذات الأعداد المحدودة، مع توفير التكوين والوسائل اللازمة للتدريس متعدد المستويات حيث يكون ذلك ممكنًا.
- ربط التخطيط المدرسي بمشاريع المياه والصحة والطرق ودعم النشاط الزراعي، حتى لا تتم معالجة التعليم بمعزل عن شروط الاستقرار.
- إشراك ممثلين عن الأهالي في تقييم البدائل ومتابعة تنفيذ القرارات.
- وضع آلية للتظلم والمراجعة تسمح للأسر والمنتخبين بعرض الحالات التي لم تراع خصوصيتها عند اتخاذ قرارات التجميع.
مسؤولية الفاعلين المحليين تتجاوز الحسابات السياسية
إن من أبرز التحديات التي تواجه التنمية المحلية في آدرار أن بعض القضايا الخدمية تتحول أحيانًا إلى موضوع للمزايدات السياسية، بدل أن تكون مجالًا للتوافق حول المصلحة العامة.
فقضية المدارس الريفية تحتاج إلى خطاب مسؤول، يضع مصلحة الطفل ومستقبله فوق الاعتبارات الانتخابية والولاءات المحلية.
ومن واجب المنتخبين والفاعلين السياسيين توعية السكان بالخيارات المتاحة، والمساهمة في تقديم مقترحات قابلة للتنفيذ، بدل الاكتفاء برفض القرارات أو تأييدها دون دراسة آثارها.
كما أن على الأطر والمثقفين والفاعلين المدنيين الإسهام في بلورة رؤية علمية واجتماعية تراعي خصوصية المنطقة، وتساعد الحكومة على اتخاذ قرارات مبنية على معطيات ميدانية لا على تقديرات إدارية مجردة.
فالتنمية ليست مسؤولية الحكومة وحدها، وإنما هي مسؤولية جماعية تتطلب من الجميع الانتقال من منطق المطالبة إلى منطق المشاركة، ومن ردود الفعل إلى التخطيط، ومن الدفاع عن المصالح الضيقة إلى حماية المصلحة العامة.
لا تنمية دون تعليم ولا استقرار دون إنصاف
إن قضية المدارس الريفية في ولاية آدرار تضع الجميع أمام سؤال جوهري: كيف يمكن تحقيق تعليم جيد لأبناء الأرياف دون التضحية باستقرار أسرهم وارتباطهم بالأرض وواحات النخيل ومصادر عيشهم؟
إن الإجابة لا تكمن في الإبقاء على كل مدرسة مهما كانت ظروفها، كما لا تكمن في إغلاق المدارس ونقل التلاميذ دون ضمان البدائل، وإنما في وضع سياسة تربوية وتنموية متوازنة تجعل جودة التعليم وحق الوصول إليه معيارًا أساسيًا في كل قرار.
وعلى البعثة الحكومية أن تنظر إلى هذه القضية باعتبارها فرصة لتصحيح اختلالات التخطيط الريفي، لا مجرد ملف إداري عابر، وأن تجعل من المرحلة الثانية للخطة الاستعجالية مدخلًا لبناء تجمعات سكانية متكاملة الخدمات، مع احترام حق السكان في البقاء بأرضهم وحماية مصالحهم الاقتصادية والاجتماعية.
فمن غير المقبول أن يُطلب من المواطن الاختيار بين نخيله ومدرسة أبنائه، أو بين مصدر رزقه وحق أطفاله في التعلم.
إن المدرسة التي تخدم قرية ريفية ليست مجرد مبنى قليل التلاميذ، بل هي استثمار في الإنسان، وضمانة لاستمرار الحياة في الريف، وجزء من معركة الحفاظ على التوازن السكاني والاقتصادي والاجتماعي في ولاية آدرار.
ويبقى الرهان الحقيقي أمام الحكومة والمنتخبين والفاعلين المحليين هو تحويل هذا الملف من مصدر للخلاف إلى فرصة للتوافق، ومن مشكلة إدارية إلى مشروع إصلاح تنموي يضمن ألا تكون عزلة القرية أو بعدها الجغرافي سببًا في حرمان أطفالها من مستقبلهم.
محمد أعليوت – أطار، ولاية آدرار










