أمل مستأنف: الأعمال العظيمة للرجال العظام

بواسطة mohamed

الشيخ أحمد ولد اعليوه

يحق لصاحب المعالي المختار ولد اجاي أن يقيل اليوم في منزله قرير العين بين أهله وذويه، وقد قضى في خدمة الدولة سنين طويلة رأى فيها الأهوال وقاسى أثناءها أنواع الشدائد، انتهى فيها وزيرا أول لعامين. 

بيد أنها قيلولة لا مغيب، وأمل مستأنف لا راحة من فرغ من أمره؛ فإنه من صنف الرجال الذين خلقوا لجلائل الأعمال، ذلك ما قالته الأيام، وتقوله سيرته ومسيرته.

أقول: إن الذين يعرفون «أعمال الدول» قلة في كل زمان ومكان، والمختار واحد منهم. وقد قيل قديما إنه لا يدعو إلى احترام الرجل واشتهاره شيء أكثر من القيام بأعمال عظيمة، وجعل نفسه مثالا نادرا في الاقتدار والشغف والتشوف أبدا إلى الإصلاح.

والذين يعرفون المختار يعرفونه صاحب موقف ورأي وكلمة، يفكر على الدوام في الأعمال الكبرى ويعمل لتحقيقها. فإذا نظرت في أعماله رأيتها ينتج بعضها عن بعض، فلا يفرغ من عمل حتى يكون قد وضع أساس الذي يليه. ومن كانت هذه حاله فآخر أعماله أول لما بعده.

وهو فوق ذلك كله يحمل هموما فوق همه الخاص؛ لأن من كانت في يده مقاليد الدولة لا ينبغي له أن يفكر في نفسه طرفة عين. وذلك عمل عظيم لا يقدر عليه إلا الرجال الذين يختارهم التاريخ ليكونوا من صناعه. بيد أنهم يدفعون ثمنه مضاعفا من الوقت والجهد والراحة، ومن أعراضهم أحيانا. والهم العام لا تنشئه المناصب في قلوب الرجال، بل يولد مع صاحبه ويلازمه حيث حل.

ثم إن المختار الذي عرفتموه حتى صباح اليوم وزيرا أول ليس مدينا بمكانته لحسن الحظ ولا لتعضيد الغير، وإنما هو من الذين بلغوا مرتبتهم بجدهم واعتمادهم على أنفسهم. شق طريقه حفرا في الصخر بالأظافر، ورقي الدرجات واحدة بعد أخرى، حتى أقنع صاحب الشأن فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني بأنه أهل للمسؤولية. ومن صنعه الحظ ذهب بذهاب الحظ، أما من صنعته كفايته واقتداره فإنه يبقى ما بقيت، والفرص إذا سنحت له ثانية وجدته أمضى عزما وأطول خبرة.

يرمونه بالفساد! وغني عن البيان أنه ليس في سياسة الأمم شيء أصعب تنفيذا ولا أخطر عاقبة من إصلاح المنظومات التي نشأت في غياب السلطة الرادعة؛ لأن للمصلح أعداء في أشخاص المنتفعين بالفساد، وليس له إلا ما يجترحه عقله. فهل من المنطق أن يكون خصومه هم غالب من تشير إليهم تهم الفساد بكافة أصنافهم وفئاتهم، قديمهم وحديثهم، ثم يكون هو الفاسد؟ إنما يعادي المرء من حال بينه وبين نفعه، وعداوة هؤلاء شهادة له لا عليه. ثم يرمونه بالسعي إلى ما فوق مقامه، وما عرف عنه أنه استسهل عملا حكوميا بدون أمر وتعضيد من فخامة رئيس الجمهورية، ولا طمع في تشريف غيره.

يوم تعيينه وزيرا أول، أوائل شهر أغسطس 2024، كأن الإدارة مسكت من خناقها: خافت وخضعت، وعلمت أن على رأسها رجلا يفقه الأشياء بذاته، قادرا على تمييز الغث من السمين، يكافئ المحسن ويحاسب المسيء. وما تعلمته الإدارة في عامين لا تنساه في يوم، فقد بقي فيها من أثره ما يبقى من السيل في الأرض بعد انحساره.

أما صاحب الفخامة فيتقن فن السلطة وفن اختيار الرجال. وانتخاب الوزراء أمر ذو صعوبة كبرى، وأول حكم يصدره الناظر على الحاكم يبنيه على صفات الرجال الذين حوله. وهو يعرف أكثر من غيره مدى إخلاص المختار وتفانيه في خدمة مشروعه المجتمعي. ومن عرف قدر رجل لم ينسه، ومن جرب سيفا في الشدة لم يتركه في غمده طويلا.

ومجمل القول: إن الأعمال العظيمة تبقى، وإن الدول لا تستغني عن رجالها الذين عرفوا أعمالها. فما نراه اليوم ليس ختاما يرثى، وإنما هو أمل مستأنف: أمل وطن في رجل لم يقل كلمته الأخيرة، وأمل رجل في وطن لم يبلغ بعد ما أراده له. فليقل المختار اليوم مطمئنا، فللأعمال العظيمة بقية وهو لها أهل.

الشيخ أحمد ولد اعليوه