على هامش فعاليات مهرجان مدائن التراث، تحولت ساحة وداد لبشير إلى فضاء مفتوح لمعاناة صامتة، عاشتها عشرات النساء العارضات للمنتجات التقليدية، بعيدًا عن أضواء المنصات الرسمية والاحتفالات الفنية المصاحبة للمهرجان.
النساء، القادمات من قرى ومناطق مختلفة، نصبن خيامًا بسيطة لعرض التمور والصناعات التقليدية، معتمدات على هذا النشاط كمصدر رزق أساسي يعيل أسرًا كاملة.
غير أن واقع المشاركة خالف التطلعات، حيث واجهن طيلة أيام المهرجان ظروفًا مناخية قاسية، مع انخفاض ملحوظ في درجات الحرارة، وإقبال محدود من الزوار، ما جعل المردودية شبه منعدمة.
ورغم توافد عدد من المسؤولين والفاعلين الرسميين على الساحة، بمن فيهم وزير الثقافة ومسؤولون إداريون، فإن الزيارة بقيت في إطار المعاينة الشكلية، دون أن تترجم إلى خطوات عملية لدعم العارضات أو التخفيف من معاناتهن، سواء عبر اقتناء المنتجات أو تقديم دعم مباشر.
ووفق إفادات من بعض المشاركات، فإن وعودًا قُطعت لهن بصرف دعم مالي بسيط، إلا أن تنفيذها عرف تأخيرًا ومماطلة استمرت إلى الأيام الأخيرة من المهرجان، ما دفع عددًا كبيرًا من النساء إلى الانسحاب تحت ضغط البرد والإرهاق وقلة ذات اليد.
في المقابل، فضلت أخريات البقاء في الساحة حتى اللحظات الأخيرة، متحديات الظروف الصعبة، في مشهد يعكس هشاشة أوضاع العاملات في مجال التراث المحلي.
هذا الإصرار انتهى بفاجعة، بعد أن توفيت إحدى العارضات صباح اليوم، عقب أيام من المكوث في ظروف قاسية، وفق ما أفاد به شهود من عين المكان.
وتعيد هذه الحادثة تسليط الضوء على مفارقة مؤلمة، حيث تُرصد مبالغ كبيرة لتعويضات فنية وتنظيمية، بينما يُترك صغار المنتجين، وخاصة النساء المعيلات، دون حماية اجتماعية أو دعم فعلي، رغم كونهن العمود الفقري للتراث الذي يُفترض أن يحتفي به المهرجان.
حادثة الوفاة فتحت باب التساؤل حول آليات تنظيم المهرجانات الثقافية، ومدى مراعاتها للبعد الاجتماعي والإنساني، وحول الحاجة إلى مراجعة السياسات المعتمدة لضمان كرامة المشاركين، خاصة الفئات الهشة، حتى لا تتحول الاحتفالات بالتراث إلى مناسبات تُضاعف من معاناة حُماته الحقيقيين.
محمد أعليوت ... أوجفت نيوز








