موريتانيا غزواني.. سوء طالع أم لطف خفي؟

بواسطة mohamed

الشيخ ساليمو

ليست كل الشعوب محظوظة بما يكفي لتختبر أزماتها في ظل قيادة تعرف كيف تُمسك بزمام اللحظة. وليست كل الدول تُمنح فرصة المرور عبر أخطر المنعطفات التاريخية دون أن تدفع كلفة الانهيار. لكن موريتانيا، في واحدة من أكثر الفترات اضطرابًا في التاريخ المعاصر، بدت وكأنها تحظى بانحياز خفي من القدر، انحياز تُرجم إلى واقع بوجود رجل على قمة هرم السلطة، هو محمد ولد الشيخ الغزواني.

منذ اللحظات الأولى لتفشي جائحة كوفيد-19 سنة 2020، دخل العالم في حالة ارتباك غير مسبوقة، انهارت خلالها أنظمة صحية، وتفككت اقتصادات، وارتبكت قرارات كبرى الدول. في تلك اللحظة الفارقة، لم تكن موريتانيا تملك ترف القوة الاقتصادية أو البنية الصحية المتقدمة، لكنها امتلكت ما هو أكثر حسمًا: هدوء القرار، وتدرج الاستجابة، ووعيًا دقيقًا بحدود الإمكانات. لم يكن النجاح كاملًا، لكنه كان كافيًا لتجنب السيناريوهات الأسوأ.

ثم جاءت صدمة الحرب الروسية-الأوكرانية، التي أعادت تشكيل خريطة الأمن الغذائي العالمي، ودفعت بأسعار القمح والطاقة إلى مستويات قياسية. هنا، لم يكن التحدي تقنيًا فقط، بل سياسيًا واجتماعيًا أيضًا، حيث كان على الدولة أن تمنع انتقال الأزمة من الأسواق إلى الشارع. وقد نجحت، إلى حد بعيد، في امتصاص الصدمة عبر تدخلات مدروسة حافظت على الحد الأدنى من التوازن الاجتماعي.

واليوم، مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز، يقف العالم مرة أخرى على حافة اضطراب اقتصادي جديد. غير أن موريتانيا، تبدو أقل انكشافًا على هذه الصدمات، وكأنها تعبر العاصفة من موقع المتفرج الحذر لا الضحية المباشرة. وليس هذا وليد الصدفة، بل نتيجة شعور عالٍ بالمسؤولية واستباقٍ محسوبٍ للأحداث، عكس إدراكًا مبكرًا لحجم التحديات المحتملة . صحيح أن البعض قد يرى في هذا النهج قدرًا من التحوط المفرط، إلا أنه في جوهره يمثل المقاربة الأكثر واقعية للتعامل مع الأزمات المركبة، ليس فقط للتكيف معها، بل لتجاوز آثارها بأقل الخسائر الممكنة.

غير أن الامتحان الحقيقي لم يكن فقط في الأزمات العالمية، بل في الجوار الإقليمي الأكثر هشاشة. فالوضع على الحدود مع مالي لم يكن مجرد توتر عابر، بل اختبارًا مفتوحًا على كل الاحتمالات، في ظل انهيار نسبي لمؤسسات الدولة هناك منذ انقلاب 2020، وتصاعد نفوذ الجماعات المسلحة. ومع ذلك، اختارت موريتانيا أن تشتغل بمنطق الدولة العاقلة: لا استفزاز يقود إلى مواجهة، ولا ضعف يُغري بالتصعيد، بل توازن دقيق بين الحزم وضبط النفس.

وفي الشمال، حيث الحدود مع المغرب، برزت أحداث مؤلمة، خاصة تلك التي طالت منقبين موريتانيين. وهي أحداث كان يمكن أن تتحول بسهولة إلى أزمة دبلوماسية حادة، لولا أن المقاربة الرسمية ذهبت في اتجاه مختلف: امتصاص الصدمة، وتغليب منطق الدولة على ردود الفعل، وتحويل التوتر إلى مسار تنسيق وتفاهم.

هذا النمط من إدارة الأزمات لا يمكن فهمه بمعزل عن خلفية الرجل الذي يقود البلاد. فالرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني ليس سياسيًا تقليديًا صعد عبر المزايدات، بل هو ابن المؤسسة الأمنية، وواحد من الذين تشكل وعيهم في سياقات معقدة، حيث القرار ليس ترفًا بل مسؤولية ثقيلة. وهذه الخلفية تفسر كثيرًا من سمات حكمه: الصمت المدروس بدل الضجيج، والتدرج بدل القفز، والبحث عن الاستقرار بدل المغامرة.

داخليًا، لم يكن التحدي أقل تعقيدًا. فقد ورث نظام فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني واقعًا سياسيًا مثقلًا بالتوترات وسوء الثقة، تراكم عبر عقود من الانقلابات والاصطفافات الحادة، حيث كانت العلاقة بين الدولة والفاعلين السياسيين أقرب إلى حالة شدٍّ دائم منها إلى شراكة وطنية. غير أن ما تحقق خلال هذه المرحلة لم يكن مجرد إدارة لهذا الإرث، بل إعادة تشكيل عميقة لقواعد الاشتباك السياسي نفسها؛ إذ انتقلت العلاقة من منطق الغلبة إلى منطق التهدئة، ومن الصدام المفتوح إلى استيعاب الخلاف ضمن أطر أكثر عقلانية. لقد أعيد رسم المسافة بين السلطة والمعارضة، لا كحدٍّ للفصل، بل كمساحة للتوازن، وهو تحول لم يلغِ التباين، لكنه قيّد انفلاته، وفتح المجال أمام حد أدنى من الانسجام الوطني الضروري لاستقرار الدولة

إن ما يبدو، في ظاهره، تراكماً لأزمات صادفت عهدًا رئاسيًا بعينه، يمكن قراءته، في عمقه، كاختبار تاريخي للقدرة على الصمود. وإذا كان البعض قد يرى في ذلك “سوء طالع” سياسي، فإن النتيجة على الأرض تقول العكس: لقد كان ذلك، بالنسبة لموريتانيا، فرصة نادرة لإثبات أن الدول لا تُقاس بما تواجهه من أزمات، بل بكيفية إدارتها لها.

وفي خضم هذا النقاش، تبرز حاجة ملحّة إلى ترسيخ ثقافة سياسية أكثر نضجًا، لا تقوم على المعارضة من أجل المعارضة، ولا على الاصطفاف الأعمى، بل على تقييم موضوعي لما تحقق وما تعثر. فالاعتراف بالجهد المبذول لا يعني التنازل عن حق النقد، كما أن النقد ذاته يفقد قيمته حين يتحول إلى موقف مسبق لا يرى إلا الإخفاقات. ومن الإنصاف، في ظل ما تمر به البلاد من تحديات داخلية وضغوط إقليمية وتحولات دولية متسارعة، أن يُعترف للرجل بما بذل ويبذل من جهود للحفاظ على استقرار البلاد وتماسكها، دون أن يمنع ذلك من المطالبة بالمزيد وتحسين الأداء.

في النهاية، قد لا يكون “لطف القدر” سوى تسمية أخرى لالتقاء نادر بين ظرف صعب وقيادة تعرف كيف تحوّله إلى فرصة. وموريتانيا، في هذه اللحظة من تاريخها، تبدو وكأنها تعيش هذا الالتقاء بكل تفاصيله: بلد في محيط مضطرب، وعالم يتغير بعنف، ورئيس يختار أن يقود بهدوء، لا تُغريه انطباعات الغوغاء، ولا ينحرف مع مزاج اللحظة، بل يمضي بثقة هادئة، لا يطلب التمجيد السياسي، بل يصنع المجد والتاريخ.